فخر الدين الرازي

137

المطالب العالية من العلم الإلهي

كل واحد منهما علة للآخر ، لكان كل واحد منهما علة للآخر ، وحينئذ لا يبقى ] « 1 » بين مقدمة هذه الشرطية ، وبين تاليها فرق البتة فيكون كلاما فاسدا ، وأما إن عنيتم بالتقدم مفهوما آخر سوى العلية والمؤثرية ، فلا بد من بيانه ، فإنه غير معقول . فإن قالوا : « التقدم بالعلية له مفهوم مغاير للتقدم الزماني ولنفس العلية » أما أنه مغاير للتقدم بالزمان ، فلأنك حين حركت إصبعك فقد تحرك الخاتم ، . ويمتنع أن تكون حركة الإصبع متقدمة بالزمان على حركة الخاتم ، وإلا لزم تداخل الجسمين ، وهو محال ، فههنا قد حصل التقدم بالعلية ، ولم يحصل التقدم بالزمان ، فقد ظهر التغاير ، وأما بيان أن التقدم بالعلية مفهوم مغاير لنفس العلية . فنقول : العقل قاطع بأنه ما لم يتم وجود العلة في نفسها ، فإنه يستحيل أن يصدر عنها المعلول . ومعلوم : أن حصول العلة بتمامها أمر مغاير لكونها علة لذلك المعلول ، وهذا يدل على أن التقدم بالعلية أمر مغاير لنفس تلك العلية . فنقول : في الجواب عن هذا السؤال : لا نزاع في أن حركة الإصبع وحركة الخاتم . ، وجدتا معا ، ولا نزاع في أن العقل يقضي بترتيب أحدهما على الآخر ، إلا أنا نقول : لم لا يجوز أن يكون ذلك الترتيب هو نفس العلية والتأثير ؟ فإن العقل حكم بأن حركة [ الإصبع مؤثرة في حركة الخاتم ، وأن حركة الخاتم ] « 2 » حاصلة عن حركة الإصبع ، إلا أن هذا المعنى الذي ذكرناه ليس إلا لنفس العلية والافتقار والتأثير ، وليس هاهنا مفهوم سوى ذلك . فظهر بهذا البيان الذي لخصناه : أنه لا يحصل عند العقل من التقدم بالعلية إلا نفس تلك العلية ، وإذا ثبت هذا ، [ فنقول ] « 3 » قولكم : لو كان كل واحد منهما علة لوجود الآخر ، لكان كل واحد منهما علة للآخر « 4 » ، فيصير معناه : لو كان كل

--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) متقدما على الآخر ( ز ) .